مكاشفة عابرة للزمن.. أشرف العشماوي في ضيافة جورج أورويل

الروائي أشرف العشماوي مع سيد علي
الروائي أشرف العشماوي مع سيد علي


ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه. وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا.

​ماذا لو التقى صاحب «مواليد حديقة الحيوان» بصاحب «مزرعة الحيوان»؟ بالتأكيد سيجمع بينهما لقاءٌ استثنائي؛ اليوم يتحاور الروائي أشرف العشماوي مع ظلّ جورج أورويل، وتدور مناقشة ممتعة ومشوقة وعميقة أيضاً. يتكلم العشماوي عن الكتابة كفعل مقاومة، وعن «الأخ الأكبر» الذي يسكن في جيوبنا وهواتفنا اليوم، وعن تلك اللحظة التي قد يحنّ فيها البشر لسجّانهم. حوار يفتش في دفاتر الحقيقة العارية والشكوك التي تسكن قلب الكاتب.

​• بدأت معه بسؤالي المعتاد:

إذا عدت إلى التاريخ، من تختار أن تجلس معه على مائدة واحدة؟

يجيب "العشماوي": أختار أن أجلس مع الكاتب والروائي جورج أورويل.

◄ لماذا هذه الشخصية تحديدًا؟ وماذا تمثل لك الآن؟

لأن أورويل كان شاهدًا لا يهادن، يبوح بطرق مدهشة ومختلفة كل مرة؛ رأى مبكرًا كيف تتحول الأفكار النبيلة إلى أدوات قمع، وكيف تبتلع الأيديولوجيا الإنسان تحت عنوان الخلاص، ومع ذلك قاوم بالكتابة. الآن يمثل لي مرآة قاسية جدًا للكاتب الذي يغامر بشعبيته ورفاهيته، وربما بحياته، حين يقرر أن يقول الحقيقة عارية بلا رتوش ولا تحالفات مريحة.

◄ ما أهم سؤال تريد أن تسأله له؟

سأسأله: هل كنتَ تكتب وأنت مؤمن بأن الكتابة قادرة فعلًا على إنقاذ البشر، أم كنتَ تكتب لأن الصمت خيانة لا تُحتمل؟ 

◄ وأين أخطأ من وجهة نظرك؟ 

أخطأ حين ظن أن كشف آليات القمع كافٍ لكسرها، ولم ينتبه بما يكفي إلى أن الإنسان نفسه قد يتواطأ مع سجّانه إذا وُعِد بالأمان. 

■ الروائي أشرف العشماوي

◄ هل كان يمكن أن يختار طريقًا آخر؟

ربما كان يمكن أن يختار طريقًا أقل حدّة، لكنه لو فعل لما صار أورويل الذي نعرفه، سيكون وقتها كاتبًا آخر أقل أثرًا؛ حسناً فعل أنه لم يختر طريقاً آخر.

◄ اقرأ أيضًا | الروائي أشرف العشماوي: الرواية التاريخية ليست تسجيلًا للوقائع بل تتطلب الخيال

◄ ما الذي تود أن تعرفه عن ضعفه؟ عن خوفه؟ عن لحظة شكه؟

كنت أريد أن أعرف ما إذا كان يخاف من أن يُساء فهمه، وأنا لا أقصد سوء الفهم من السلطة لكن من القرّاء أنفسهم. وربما شغلتني لحظة الشك تلك التي مؤكداً انتابته، وهي اللحظة التي ربما تساءل فيها مع نفسه: هل تحوّلتُ أنا أيضًا إلى سلطة تفرض رؤيتها باسم الحقيقة؟

◄ ماذا ستسأله عن عالمنا اليوم؟

سأسأله: هل توقعتَ أن تصبح المراقبة طوعية، وأن يحمل الناس الكاميرا في جيوبهم وصاروا يراقبون بعضهم بغير توجيه؟ 

◄ ما النصيحة التي قد يأخذها منك؟

لا أظن أنني مؤهل لنصيحة، لكن ربما أفكر في أن القمع عندنا أكثر مكرًا مما شاهده أورويل؛ فالقمع عندنا يختبئ في العاطفة والدين وتقاليد الأسرة البالية. 

◄ ما الفكرة التي سترفضها منه؟

سأرفض منه أو أختلف معه في فكرة أن الاستبداد يولد دائمًا من الدولة؛ لأنه في أحيان كثيرة يولد من المجتمع نفسه حين يطالب جلاده باستعمال القمع.

◄ أعطيك فرصة لتسأله سؤالاً واحداً خارج السياق، صادماً، إنسانياً، أو أخلاقياً؟

السؤال الوحيد عندي سيكون: هل كنتَ ستكتب "1984" بنفس الطريقة لو علمتَ أن البشر سيحبّون "الأخ الأكبر" أحيانًا، لا خوفًا إنما حنينًا؟

◄ ماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟

سيبقى معي يقينٌ بأن أخطر أشكال الطغيان هو ذلك الذي يقنعك أنك حرّ بينما خيالك مكبل بضلالات وأوهام، وأن الكاتب الذي سيدفع الثمن من حريته سيعيش أطول بكثير من الذين اختاروا البقاء في حظيرة السُلطة.